محمد جعفر استر آبادى ( شريعتمدار )
366
البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة
فلمّا اختاروا الطاعة ، أجرى عليها لازمها وهو استحقاق الثواب ، وإن عصوا فباختيارهم بحيث لو شاءوا أطاعوا ، ولمّا اختاروا المعصية أجرى عليها لازمها ، وهو استحقاق العقاب مع جواز العفو ، وليس الأمر على وجه التفويض بأن لم يكن له أمر في أفعالهم حتّى يكون معزولا عن سلطانه ، ولا على وجه الإجبار بأن لم يكن للعبد دخل فيها ، وإلّا لما كان لبعث الرسل وإنزال الكتب معنى ، ولما استحق ثوابا ولا عقابا ، ولكان العقاب ظلما ، بل الإقدار من الله بأن خلقهم قادرين على الفعل والترك ، فهو العلّة البعيدة ، والمباشرة من العبد ، فهو العلّة القريبة ، فليس العلّيّة منحصرة فيه تعالى كما يقوله أهل الإفراط وهم الأشاعرة « 1 » ، ولا منحصرة في العبد كما يقوله أهل التفريط وهم المعتزلة « 2 » ، بل الأمر بين الأمرين ، والعلّة مركّبة اعتباريّة حاصلة في البين كما هو المذهب الجعفريّ « 3 » ، كما روي عن مولانا جعفر بن محمّد عليهما السّلام : « لا جبر ولا تفويض بل الأمر بين الأمرين » « 4 » بمعنى أنّ المجموع المركّب من فعل الله تعالى التكوينيّ - بإيجاد العبد وإحيائه وإعطاء الأسباب كالقدرة ونحوها وإبقائها - ومن فعل العبد - بالمباشرة ونحوها من باب الجعل للمصلحة - علّة لحصول الفعل الاختياريّ للعبد وإن كانت الإرادة التكليفيّة على خلاف الإرادة التكوينيّة ، فالتركيب اعتباريّ في مقام الفعل ، لا في مقام الذات حتّى يلزم نحو الوحدة أو الاتّحاد ، ولا يلزم أيضا تعذيب أحد الشريكين للآخر ؛ لعدم التركيب في مقام المباشرة مع أنّ اعتباره بملاحظة مقام التكوين ، والتعذيب باعتبار التكليف المستند إلى اختيار العبد ومباشرته له .
--> ( 1 ) . « المطالب العالية » 9 : 9 وما بعدها ؛ « الأربعين في أصول الدين » 1 : 319 ؛ « المحصّل » : 455 - 474 ؛ « شرح الأصول الخمسة » : 324 ؛ « شرح المواقف » 8 : 145 - 173 ؛ « شرح المقاصد » 4 : 219 وما بعدها . ( 2 ) . نفس المصادر السابقة . ( 3 ) . « نقد المحصّل » : 333 ؛ « مناهج اليقين » : 235 - 243 ؛ « كشف المراد » : 308 - 313 ؛ « النافع ليوم الحشر » : 155 - 160 ؛ « إرشاد الطالبين » : 263 . ( 4 ) . « الكافي » 1 : 160 باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين ، ح 13 .